عبد القادر الجيلاني

34

فتوح الغيب

* وسئل شيخ الإسلام رحمه اللّه « 1 » عن قول الشيخ عبد القادر رحمه اللّه : « نازعت أقدار الحق بالحق للحق » ؟ . فأجاب : الحمد للّه ، جميع الحوادث كائنة بقضاء اللّه وقدره ، وقد أمرنا اللّه سبحانه أن نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان ، ونزيل الكفر بالإيمان ، والبدعة بالسنة ، والمعصية بالطاعة من أنفسنا ومن عندنا ، فكل من كفر أو فسق أو عصى فعليه أن يتوب ، وإن كان ذلك بقدر اللّه ، وعليه أن يأمر غيره بالمعروف ، وينهاه عن المنكر بحسب الإمكان ، ويجاهد في سبيل اللّه ، وإن كان ما يعمله من المنكر بحسب الإمكان ، ويجاهد في سبيل اللّه ، وإن كان ما يعمله من المنكر والكفر والفسوق والعصيان بقدر اللّه ، ليس للإنسان أن يدع السعي فيما ينفعه اللّه به متكلا على القدر ، بل يفعل ما أمر اللّه ورسوله ، كما روى مسلم في صحيحه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « المؤمن القوي خير وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه ، ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل : قدّر اللّه وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان » . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يحرص على ما ينفعه ، والذي ينفعه يحتاج إلى منازعة شياطين الإنس والجن ، ودفع ما قدر من الشر بما قدره اللّه من الخير ، وعليه مع ذلك أن يستعين باللّه ، فإنه لا حول ولا قوة إلا به ، وأن يكون عمله خالصا للّه ، فإن اللّه لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ، وهذا حقيقة قولك : إِيَّاكَ نَعْبُدُ والذي قبله حقيقة : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . فعليه أن يعبد اللّه بفعل المأمور ، وترك المحظور ، وأن يكون مستعينا باللّه على ذلك ، وفي عبادة اللّه وطاعته فيما أمر إزالة ما قدر من الشر بما قدر من الخير ، ودفع ما يريده الشيطان ، ويسعى فيه من الشر قبل أن يصل بما يدفعه اللّه به من الخير . قال اللّه تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] . كما يدفع شرّ الكفّار والفجّار الذي في نفوسهم ، والذي سعوا فيه بالحق ، كإعداد القوّة ، ورباط الخيل وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء كما جاء في الحديث : « أن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض » . فالشّرّ تارة يكون قد انعقد سببه

--> ( 1 ) كما في مجموع الفتاوى ( 8 / 547 - 550 ) . وانظر ( 10 / 158 ) .